برقية الملك حسين إلى الرئيس جمال عبدالناصر حول تقرير اللواء جعفر النميري

برقية الملك حسين إلى الرئيس جمال عبد الناصر، حول تقرير اللواء جعفر النميري
المصدر: ” الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، مج 6، ص 847 “

برقية الملك حسين إلى الرئيس جمال عبد الناصر، حول
تقرير اللواء جعفر النميري.

عمان، 26 / 9 / 1970

 

( محفوظات مؤسسة الدراسات
الفلسطينية )

          سيادة الأخ الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة / القاهرة

          فوجئت بوقائع المؤتمر الصحفي الذي عقده سيادة الرئيس اللواء النميري في القاهرة هذا الصباح. ونظرا للمغالطات والاتهامات الخطيرة التي اشتمل عليها وما تناولت من تعريض بنا وتجريح بسياستنا وبلدنا وجيشنا وشعبنا الموحد المناضل، ولخطورة ما قد تجر اليه الاقوال التي ساقها في هذا المؤتمر اذا لم تبادروا الى تصحيحها واطلاع الاخوة الملوك والرؤساء على حقائق الموقف ازاءها، فإني أوجه انتباهكم جميعا الى المسؤوليات المترتبة عن الاغراق في تحريف الحقيقة والتخبط في الضباب و الاوهام.

          انه مما يزيد في فداحة الخطب أن هذه الادعاءات والاتهامات تأتي على حساب ما وقع في بلادنا وشعبنا من محنة، وعلى نقيض ما كنا نتوقعه ونأمله من سيادة الاخ النميري الذي اطلع بنفسه على كل ما نعاني هنا من آلام ومصائب، وما شاهد وقرأ من أخطار كانت تتهددنا وتتهدد من بعدنا أمتنا بأسرها وقضية العرب أجمعين.

          لقد كنا ننتظر ان يكون جهد وفد الملوك والرؤساء برئاسة الاخ النميري وجهد مؤتمركم العتيد بناء يوقف تيارات التحريض والاثارة بل والتدخلات الفعلية و الدعائية التي ما انفكت تذكي نار الفتنة في ربوعنا هنا، وان تصل بالقارب الى شاطئ السلامة وسط الاعاصير والامواج. وكنا ولا زلنا، بحكم الانسانية وصلة القربى والروابط القومية التي تجمعنا، ننتظر مساعدة شعبكم المنكوب هنا في غذائه وكسائه ودوائه، غير اننا مع الاسف الشديد سمعنا من ما قيل في المؤتمر الصحفي المشار اليه عكس ما كنا نأمل، واتهمنا فضلا عن ذلك باننا استهدفنا ونستهدف القضاء على الشعب الفلسطيني الذي هو شعبنا وأهلنا والذي عشنا معه في الآلام والآمال واقتسمنا معه مرارة العيش ونعمته، حتى لم يعد بيننا من هو فلسطيني وأردني وانما شعب واحد بعضه محتل تحت قبضة العدوان الاسرائيلي وبعضه مناضل يعمل بكل ما اتاه الله من قوة وصبر وتحمل من أجل التحرير.

          ان الذين نكبوا في الحوادث المؤلمة في عمان وسواها ليسوا فلسطينيين فحسب او اردنيين فحسب وانما هم نحن جميعا مواطنين وعسكريين وفدائيين، وكلنا فلسطيني وكلنا أردني. ان كل ما قيل في المؤتمر الصحفي مما وجه إلينا من تجن واتهام مناقض لحقائق الوضع والنوايا والاتجاهات في بلدنا لدى أكبر مسؤول حتى أصغر مواطن. وان ما دفعني إلى توجيه هذه الرسالة العاجلة اليكم يا سيادة الاخ الرئيس، والى الاخوة الملوك والرؤساء المجتمعين في عاصمتكم العزيزة، هو أنكم جميعا وانتم تقفون في أعلى مستويات المسؤولية نحو مستقبل امتكم ووطنكم العربي الكبير تدركون الآن وأكثر من أي وقت مضى أن الامر في الاردن يتطلب الحكمة والعمل الايجابي والمسارعة الفورية الى وضع الاتفاق الاخير الذي اعلنا قبوله موضع التنفيذ نصا وروحا وتفصيلا بالضمانات الكافية، لعل الله تعالى يمكننا جميعاً من ان نرمم ما تهدم ونمسح جراحنا النازفة ونقوى على مواجهة الخطر المحدق بنا والذي يرصدنا ونستأنف السير بما فيه مرضاة الله وراحة الضمير. وان لدينا من المعلومات والوثائق والحجج ما نستطيع أن نعرضه على كل من أراد مزيدا من القناعة والاطلاع لنبرئ ذمتنا ونقدم حسابنا فنخرج بالحقيقة الناصعة البيضاء اننا لسنا من عمل على تمزيق وحدتنا، الوطنية أو اراد بها شرا. ولسنا الذين عملوا على الامعان في توسيع شقة التباعد والتناحر بين الشعب والمقاومة والجيش العناصر الثلاثة التي ترتكز عليها وحدتنا الوطنية. ان أشد ما يحزننا، 

ويحزنكم معنا، أن تلك الطاقة الضخمة من قوانا واستعداداتنا، من شبابنا، وأسلحتنا جميعا ، قد حولت من مواقعها الطبيعية في مواجهة العدوان الاسرائيلي وخلف صفوف قواه لتنفجر في بيوتنا وقلب عاصمتنا ومدننا وقرانا حيث ما كان ينبغي لها أن تكون، هنا أيضا فنحن لسنا المسؤولين. لقد كنا ننادي ونسعى ونعمل دائما لاحباط عناصر المؤامرة هذه واتقاء ما وقع. اما بالنسبة للمقاومة فقد كنت وسأظل مع أخواني القادة سيفا لدعمها وحمايتها والحفاظ عليها. وفي هذه اللحظات الاخيرة وقبل ان تختتموا أعمال مؤتمركم العظيم ،أناشدكم أن لا تسمحوا للموقف القائم ان يؤدي الى الوقوع نهائيا في آخر مواقع المؤامرة التي تستهدفنا جميعا والتي نبذل المستحيل من جانبنا لكي لا نقع فيها. فيتبدل الواقع الذي بنيناه على أرضنا، طيلة السنين التي اعقبت كارثة حزيران ( يونيو ) 1967 لصالح اعدائنا وتغيب عن خيال العرب والى المدى المجهول صورة قدسنا وكل شبر من أرضنا المقدسة المحتلة نتيجة ذلك. اللهم أشهد أنا بلغنا. واللهم اعنا واهدنا الصراط المستقيم.


<1>

Scroll to Top