رد اللجنة التنفيذية العربية على عرض المندوب السامي بتشكيل وكالة عربية على غرار الوكالة اليهودية في فلسطين

 

رد اللجنة التنفيذية العربية على عرض المندوب السامي بتشكيل وكالة عربية على غرار الوكالة اليهودية
“ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 363 – 365”

رد اللجنة التنفيذية العربية
على عرض المندوب السامي
بتشكيل وكالة عربية على غرار الوكالة اليهودية في فلسطين
1923

         أتشرف بأن أعرض على – فخامتكم أن الهيئة العربية التي دعوتموها في اليوم الحادي عشر من شهر تشرين الأول إلى دار الحكومة فتلوتم عليها بيان حكومة جلالة الملك بشأن تأسيس وكالة عربية في فلسطين فأجمعت على رفضه ووعدت بالرد عليه كتابة، قد عهدت إلى أن أقدم الجواب عليه إلى فخامتكم لتتفضلوا برفعه إلى حكومة جلالة الملك.

         ليست الغاية التي يتوخاها الوطنيون في هذه البلاد الحصول على وكالة عربية تشبه الوكالة الصهيونية التي نصت عليها المادة الرابعة من “صك الانتداب” وإنما غايتهم التي لا يرجعون عنها ولا سبيل لهم الا إليها هو الحصول على الاستقلال الذي ينشدونه من أمد بعيد والذي وعدهم به الحلفاء وفي مقدمتهم حكومة جلالة الملك فاشتركوا في الحرب الكبرى وقاموا بنصيبهم فيها لا لأجله.

         تفضلتم فخامتكم فى البيان المذكور: “أن الحكومة أمعنت النظر في أمر إدارة فلسطين وأنها اتخذت الآن قرارا نهائيا بشأنه خلاصته أن الحكومة لا ترى سبيلا للارتداد عن تصريح بلفور الذي قبله جميع الحلفاء ووافق عليه مجلسا الشيوخ والنواب في الولايات المتحدة وأدرج أخيراً في “صك الانتداب” فأصبح في نظر حكومة جلالة الملك تعهدا دوليا لا تستطيع الرجوع عنه بتاتا” ..

         لا ترى الهيئة العربية المذكورة سبيلا إلى موافقة الحكومة على هذا القرار النهائي لأنه يخالف رغائب الأمة العربية وأمانيها وتعتقد أن حقوق الدول الطبيعية والموضوعية التي أقرها الرئيس ولسن في مبادئه الأربعة عشر والتي أيدها الحلفاء في تصريحاتهم الرسمية العديدة أثناء الحرب الكبرى لا تجيز لأمة من الأمم أن تزدري هذه الرغائب وتلك الأماني فتتصرف بالبلاد على غير رأي أهلها وعلى – مالا يوافق مصلحتهم تصرف الملك بملكه.

         لا تنكر الحكومة أنها إنما قبلت الانتداب على فلسطين وفقا للمادة الثانية والعشرين من نظام “عصبة الأمم” ولكن هذه المادة لا تجيز لها أن تكون دولة منتدبة فيها إلا بموافقة أهليها على فرض قبولهم الانتداب وهم قد رفضوه مرارا في مؤتمراتهم


          فلسطين – يافا – 16 و 20 / 11 / 1923.

 

(تابع) رد اللجنة التنفيذية العربية على عرض المندوب السامي بتشكيل وكالة عربية على غرار الوكالة اليهودية
“ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 363 – 365”

السابقة. ثم إن الدول التي وقعت على نظام “عصبة الأمم” تعهدت في المادة العشرين منه بأن تلغى جميع العهود التي قطعتها على نفسها قبل دخولها في “عصبة الأمم” إذا كانت هذه العهود، لا تتلاءم مع نصوص هذا النظام. ولا يخالج أحداً شك أن تصريح بلفور الذي يعد اليهود بتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين فرفضته الأهالي رفضا باتا هو مخالف كل المخالفة لنصوص نظام “عصبة الأمم” وروحه. فقد وضع هذا النظام على أساس تحقيق رغائب الشعوب وحماية الأمم الضعيفة المضطهدة لا على أساس اضطهاد حرية الشعوب وإكراهها على قبول خطة تحرمها من كل حقوقها السياسية وتخضع البلاد لسياسة وإدارة أجنبيتين على ما هى عليه الحالة الآن في فلسطين. فما كان أجدر حكومة جلالة الملك وهي من “عصبة الأمم” أن تلغي وعد بلفور هذا وتحل نفسها منه لأنه لا ينطبق على نظام “عصبة الأمم” وروحه.

        وقد أشار فخامتكم في بيانه المذكور إلى العهود التي قطعتها حكومة جلالة الملك حسين بشأن مستقبل البلاد العربية. لا شك أن هذه العهود التي قطعت في سنتي 1915 و 1916 قد ضمنت لفلسطين استقلالها ضمن البلاد العربية المعينة حدودها في الكتب التي تبودلت بين السير هنري مكماهون وجلالة الملك حسين سنة 1916 والتي اكتسبت صفة العهود الرسمية بعد أن وافقت عليها حكومة جلالة الملك قبل تصريح بلفور الذي لم يصدر إلا في 2 نوفمبر سنة 1917. إن هذا التصريح الذي صدر بدون أن يوافق عليه جلالة الملك حسين لا يلغي العهود المقطوعة لجلالته لا سيما وأن هذه العهود هي عهود دولية لأنها قطعت بين حكومتين مستقلتين بخلاف تصريح بلفور فإنه ليس له صفة العهود الدولية لأنه لم يقطع بين حكومتين مستقلتين وفقا لحقوق الدول (حقوق الدول للمؤلف الافرنسي بونفيس رقم 820). وإذا قيل إنه صار تعهداً دوليا لأن حكومة الملك قد تعهدت به لدى الدول الأخرى فذلك لا يكسبه أيضا صفة التعهد الدولي لأن التعهدات الدولية لا تكون صحيحة إلا إذا بنيت على أسس مشروعة وفقا لقواعد حقوق الدول (حقوق الدول للمؤلف الافرنسي بونفيس رقم 819) فتعهد حكومة جلالة الملك بمنح اليهود حقوقا لا تملكها مناف للقواعد المذكورة.

        أما ما تفضلتم به من أن وعد بلفور ذو شقين لا يناقض الواحد الآخر فأمر غريب. قد لا يكون تناقض بين شقي هذا التصريح إذا كانت البلاد يهودية وليس للعرب فيها إلا ما يكون لكل أجنبي دخيل في كل بلد من حقوق مدنية ودينية وأما وهذه البلاد عربية ولها الحق المطلق في الحياة الحرة المستقلة فلا يمكن ألا أن يناقض الشق الأول من هذا التصريح الشق الثاني والتوفيق بين هذين الشقين مستحيل.

        تفضلتم فخامتكم أيضا أن الحكومة من جهة وفخامتكم من جهة أخرى تبذلان السعي المتواصل في إدارة فلسطين على وجه يضمن عدالة متساوية لمصالح الفريقين ذوي الشأن. ولكن الهيئة العربية المذكورة تعتقد أنه مهما بذلت الحكومة ومهما بذلتم من السعي في هـذا الشأن فلا يمكن أن يضمن هذا السعي عدالة حقيقية لمصالح العرب لأن هذه المصالح لا تصان ولا تتحقق مع الوطن القومي الذي تبذلون الجهد في إنشائه. والهيئة تحتج بشدة على اعتباركم اليهود الأجانب عن البلاد ذوي شأن فيها. ثم إن الوطنيين لا يكتفون بهذه العدالة التي أشرتم إليها على فرض أنكم حريصون عليها لأنهم لا يرضون إلا أن يكونوا في بلادهم أحراراً يتولون حكم أنفسهم




(تابع) رد اللجنة التنفيذية العربية على عرض المندوب السامي بتشكيل وكالة عربية على غرار الوكالة اليهودية
“ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 363 – 365”

بأنفسهم لا أن تكون العدالة ثمن حريتهم واستقلالهم ولهذا فإنهم يصرون، على أن تكون لهم حكومة وطنية دستورية مستقلة.

         أما الاقتراح بأن يشترك العرب في إدارة بلادهم بواسطة وكالة عربية يتوقف تقريرها على مفاوضة ” عصبة الأمم ” لتوافق عليها لتكون لها صفة رسمية كالوكالة اليهودية واعتباركم هذا الاقتراح خطوة كبرى نحو استيفاء رغائب الشعب العربي فقد تلقته الأمة بالاستغراب العظيم. إذ كيف يعقل أن يقبلوا بهذا المشروع بعد أن رفضوا مشروعي المجلس التشريعي والمجلس الاستشاري ولهما صلاحية أوسع من صلاحية الوكالة. كيف يقبلون به وهو يجعل العرب أصحاب البلاد في مستوى واحد مع اليهود فضلا عن أن اسم الوكالة يجعلهم يشعرون أنهم غرباء في بلادهم أيضا. أما الشكاوات التي أشرتم إليها بشأن الوكالة اليهودية فلم تكن لعدم وجود وكالة عربية مثلها وإنما كانت احتجاجا على وجود وكالة يهودية.

         ولابد لى قبل الختام أن، أشير إلى ما ورد في بيان فخامتكم من تأكيدكم أن الحكومة لا تنوي تغيير خطتها وسياستها في فلسطين، وإن الذين يأملون نتيجة أخرى تختلف عن هذه يضلون أنفسهم ويضلون غيرهم ممن يقبلون آراء كهذه.

         إن أمل العرب يا فخامة المندوب في تغيير سياسة الحكومة في فلسطين مستند إلى إيمانهم القوى بحقهم الصريح واعتقادهم ببطلان السياسة الحاضرة وقد كان الوطنيون يجلون فخامتكم عن أن تنسبوا إلى بعضهم أمر تضليل أمتهم في قضيتهم الكبيرة هذه ويؤكدون لفخامتكم أن هذه العبارة الشديدة قد تركت في نفوسهم أثرا سيئا جدا فإن أمل المحق في انتصار حقه أولى أن يكون موضع احترام لا أن يعتبر ضلالا وتضليلا.

         وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

 

رئيس اللجنة التنفيذية
موسى كاظم الحسينى

Scroll to Top