مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب

مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 677 – 682″

مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب
22 فبراير سنة 1939

        للمسألة جانب تاريخى يرجع الى ما قبل الحرب حين كانت فرنسا تطلب حقوقا خاصة لها في سوريا في حالة انحلال الدولة العثمانية.

        وقد لقى ما طلبته فرنسا اعترافا الى حد كبير من بريطانيا العظمى في تصريح من السير ادوارد حين أعلنه رئيس الوزارة الفرنسية في مجلس الشيوخ الفرنسى في 21 ديسمبر 1912.

        كانت كلمة “الشام” في تلك الأيام تطلق على كل منطقة سورية، التاريخية والجغرافية أى على البلاد الواقعة بين طوروس وشبه جزيرة سيناء وكانت مؤلفة من جزء من ولاية حلب، وولاية بيروت، وولاية سوريا، وسنجق لبنان، وسنجق القدس. وكانت تشمل ذلك الجزء الذى نزع فيما بعد، وصار تحت الانتداب باسم فلسطين.

        ومع أن بريطانيا العظمى قبلت في سنة 1912 القول بان سوريا منطقة نفوذ فرنسى الا أن هناك رأيا بدأ ينشأ في بعض الدوائر البريطانية، ومؤداه انه في حالة انحلال الدولة العثمانية يجب أن يبذل جهد لفصل سوريا الجنوبية ابتداء من شمالى حيفا وعكا لتكون وحدة قائمة بنفسها وواقعة تحت النفوذ البريطانى ومما يعرفه الذين عرفوا اللورد كتشنر انه كان شديد التعلق بهذه الفكرة وانه بثها في الدوائر الرسمية قبل الحرب.

        (ملحوظة: الكولونيل س. ف. نيكوكوم والكولونيل السير فيفيان جبرايل كانا متصلين باللورد كتشنر في هذا الموضوع، وقد يستطيعان أن.. يؤديا الشهادة فيه).

        بأمر اللورد كتشنر قام الكابتن – الكولونيل الان – نيوكوم، بمسح شبه جزيرة سينا عسكريا في سنة 1913 وجاءت نتيجة هذا المسح مؤيدة لرأى اللورد كتشنر بان سوريا الجنوبية – شمالا الى حيفا وعكا، وجنوبا الى خليج العقبة – ضرورية للامبراطورية البريطانية، سياسيا وحربيا في حالة انحلال الدولة العثمانية.

        وكان هذا الرأى هو المسيطر على سياسته في علاقاته مع العرب، فلما قامت الحرب اتصل بالشريف حسين، واتخذ تدابير أخرى مع المصالح المختلفة في الحكومة البريطانية، وفي جملتها وزارة الهند وحكومة الهند،.. محاولا أن يقنعها بأن من المرغوب فيه مقاومة مطالبة فرنسا بسوريا كلها، نظرا لأهمية سوريا الجنوبية والاسكندرون للامبراطورية البريطانية في المستقبل.

 مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عا 1949؟ وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 677 – 682″

        وفي مارس 1915 – وبايعاز اللورد كتشنر – الف رئس الوزارة لجنة للبحث في موضوع المصالح البريطانية في الدولة العثمانية، والمعتقد أن اللورد كتشنر أدلى بأقواله أمام هذه اللجنة. والمعروف على كل حال أن اللجنة كما جاء في تقرير اللجنة الملكية لفلسطين – قررت في يونيو 1915 وجوب انتزاع سوريا الجنوبية واخراجها من منطقة النفوذ الفرنسى.

        هذا الجانب التاريخى، له أهمية أساسية لفهم ما تلاه، فانه لما بعث الشريف حسين بكتابه الأول في يوليه 1915 الى السير هنرى مكماهون كانت الحكومة البريطانية قد تلقت تقرير اللجنة بضرورة الفصل بين سوريا الشمالية وسوريا الجنوبية، عند النظر فيما تطلبه فرنسا من أراضى الدولة العثمانية ويجب أن تقرأ التحفظات التى وضعها السير هنرى مكماهون في كتابه المؤرخ في 24 اكتوبر 1915 على ضوء الموقف السائد في وزارة الخارجية البريطانية في ذلك الوقت. وفي كل المكاتبات يحاول السير هنرى مكماهون أن يبين للشريف حسين أن الأجزاء الوحيدة من سوريا التى ترغب بريطانيا العظمى أن تخرجها من منطقة الاستقلال العربى هى تلك الأجزاء التي تشعر بريطانيا العظمى أنها ليست حرة للتصرف فيها بدون “اساءة الى مصالح حليفتها فرنسا”. وقد عبر السير هنرى مكماهون عن هذا التحفظ بألفاظ أخرى في كتابه المؤرخ في 14 ديسمبر 1915 فقال انه “فيما يتعلق بولاية حلب وبيروت قد أخذت حكومة بريطانيا العظمى علما بملاحظاتكم، ولكن لما كانت مصالح حليفتنا فرنسا متصلة بالموضوع، فان المسألة ستتطلب درسا وعناية، وسنكتب اليكم في الموضوع مرة أخرى في الوقت المناسب. وكذلك الشريف حسين كان في كل مكاتباته يعتبر أن الأجزاء الوحيدة من سوريا المعينة بالاستثناء هى المناطق الساحلية الشمالية من سوريا، أى لبنان والساحل. وقد فهم أن بريطانيا تريد أن تحتفظ بهذا الجزء لا لسبب سوى المطالب الفرنسية. اما سوريا الجنوبية فما كان يمكن أن تكون جزءا من المنطقة المحتفظ بها، لأن بريطانيا العظمى لم تكن فقط غير راغبة في ادخالها في منطقة النفوذ الفرنسى، بل كانت تريد أن تدخلها في منطقة الاستقلال العربي أى في دائرة النفوذ البريطاني في المستقبل.

        ودرس النصوص يؤيد هذا التفسير من عدة وجوه . ويجب أن نوجه النظر الى أن السير هنرى مكماهون لم يحدد قط منطقة الاستقلال العربى بألفاظه هو، وانما كان الذى فعله هو أن يقبل الحدود التى اقترحها الشريف حسين جملة وكما هى، فيما عدا بعض التحفظات، ويستخلص من ذلك انه ما لم يثبت أن فلسطين كان منصوصا عليها بصراحة، أو حتى ضمنيا في هذه التحفظات، فانه يجب عدها داخلة في المنطقة التى اقترحها الشريف حسين، والتى قبلها السير هنرى مكماهون جملة. وليس في المكاتبات كلها أى ذكر لفلسطين أو سوريا الجنوبية أو لأى قسم اداري من سوريا يمكن أن يفهم أنه المقصود به ما يعرف الآن بفلسطين. ومع أن هناك أجزاء خصصت بالاستثناء من منطقة الاستقلال العربى التام، فانه ليس ثم أية اشارة ولو غير مباشرة أو ضمنية، الى ذلك الجزء من سوريا الذى كان يطلق علية في التقسيم الادارى العثمانى، اسم سنجق القدس.

        وقد قيل كلام كثير عن التفسيرات الممكنة للمعنى الصحيح لكلمة ” ولاية ” واستعمال هذه الكلمة في المكاتبات كلها يدعو الى الشرح. ان لفظ “ولايت” هي الصيغة التركية للكلمة العربية “ولاية” والمقصود بها في اللغة العربية اقليم أو

مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 677 – 682″

منطقة او قسم بدون أى دلالة ادارية معينة. اما في اللغة التركية فقد استعيرت الكلمة العربية للدلالة على أقسام ادارية معينة من الدولة العثمانية لها حدود وتخوم. وفي المكاتبات التى نحن بصددها والتى دارت باللغة العربية، استعملت كلمة “ولاية” العربية، وهى لا تقابل دائما وفي كل حالة كلمة “ولايت ” التركية. فمثلا يذكر النص العربى (ولاية مرسين) و(ولاية الاسكندرون) و(ولاية دمشق) و(ولاية حمص) و( ولاية حماة) مع أنه لم تكن هناك في أى عهد من عهود التاريخ أقسام ادارية يطلق عليها هذا الوصف، فهذه العبارات لا يكون لها معنى الا اذا أخذنا بالمدلول العربي لكلمة ” ولاية” العربية، وهو القسم أو المنطقة بدون أية اشارة الى حدود ادارية.

        ان الترجمة الانجليزية التى وزعها وفد المملكة المتحدة تستعمل كلمة (ولاية) العربية بصيغتها التركية في جميع المكاتبات. وهذا خطأ في الترجمة، ولا مسوغ له لسبب آخر، فقد كانت كتب السير هنرى مكماهون تصدر عن دار المندوب السامى بالقاهرة بالعربية، وهذا النص العربى الذى كان يصدر عنها هو ترجمة عن الأصل الانجليزى، وفي الأصل الانجليزى استعملت كلمة “قسم” أو “منطقة” كما هو ظاهر من الكتاب الأبيض الصادر في 1922 ومن تقرير لجنة فلسطين الملكية (الفصل الثانى الفقرة الخامسة) فاذا استطاع وفد المملكة المتحدة أن يرى وسيلة لاثبات كلمة “قسم” أو “منطقة” في مواضعها بدلا من “ولايت” التركية في النص الإنجليزى، فان هذا يزيد الاضطراب الذى لا داعى له.

        وتذهب الحكومة البريطانية الى أن فلسطين كانت مستثناة منهما وانه يشملها ما قاله السير هنرى مكماهون للشريف حسين من أنه ستستثنى ” أجزاء من سوريا واقعة الى الغرب من مناطق دمشق وحمص وحماة وحلب” وقد أعلن المستر ونستون تشرشل هذا الرأى في سنة 1922 لما قال بصفته وزيرا للمستعمرات: ان كلمة منطقة يجب أن تعد معادلة لكلمة “ولايت” وانه لما كانت “ولاية دمشق” تشمل ذلك الجزء من سوريا الذى يعرف الآن باسم شرق الأردن، – الواقع شرقى نهر الأردن – فانه ينتج من ذلك أن ذلك الجزء من سوريا – المعروف الآن باسم فلسطين – والواقع غربى نهر الأردن كان أحد الأجزاء المحتفظ بها في عبارة السير هنرى مكماهون.

        ولكن مراجعة النص تثبت ان هذه الحجة لا تنهض ذلك أن كلمة منطقة في عبارة السير هنرى مكماهون لا يمكن أن يكون المقصود بها أن تكون معادلة لكلمة ” ولايت” لأنه لم يكن هناك وجود لشىء اسمه “ولاية دمشق” أو “ولاية حمص” أو”ولاية حماة” وانما كانت هناك ولاية واحدة لسوريا عاصمتها دمشق، وقسمان صغيران اداريان كانت حمص وحماة من بلدانهما الكبرى. ولا معنى لعبارة السير هنرى مكماهون الا اذا فهمنا من كلمة المنطقة ما يفهم عادة أى الجهات المجاورة للمدن الأربع ، فيكون تحفظه مقصورا على جزء يمتد من صيدا الى الاسكندرون، وهو جزء واقع الى الغرب من الخط المتصل الذى يتكون من هذه المدن والاقليم المتاخم لها.

        وأشار السير هنرى مكماهون في كتابه الثالث المؤرخ في 13 ديسمبر الى المناطق التى أراد استثناءها فذكر “ولايتى حلب وبيروت” ولو انه كان يفكر في فلسطين ويريد استثناءها، لزاد على ذلك عبارة، مثل “وسنجق القدس”. وكونه لم يفعل ذلك يؤيد القول بأن الأجزاء الوحيدة من سوريا التى كانت النية في ذلك الوقت الاحتفاظ بها لفرنسا هى المناطق الساحلية من سوريا الشمالية.

مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 677 – 682″

        وأخيرا اشتمل الكتاب الثانى الذى بعث به السير هنرى مكماهون الى الشريف حسين، على التعهد، وفيه يذكران بريطانيا العظمى تعترف للعرب بالاستقلال في كل المناطق الواقعة داخل الحدود التى اقترحها شريف مكة، والتى يسع بريطانيا فيما يتعلق بها أن تتصرف بحرية بدون اضرار بمصالح حليفتها فرنسا. وفي هذا الكتاب، والكتاب الذى تلاه في 14 ديسمبر، مع استثنائه لمناطق معينة من سوريا، بضرورة مراعاة بريطانيا العظمى مصالح فرنسا. ويخلص من هذا انه اذا وجدت بريطانيا العظمى في نهاية الحرب انها حرة في التصرف فيما يتعلق بأى جزء كانت ترى أنها مضطرة الى الاحتفاظ به من أجل فرنسا، فان التحفظ يفقد دواعيه ومسوغاته وكل قوة كانت له، حينما وضع. وينتج من هذا أن الجزء الذى لا يدخل في دائرة المصالح الفرنسية – كما حدث فيما يتعلق بفلسطين – يجب أن يبقى لعدم وجود اتفاق آخر على خلاف ذلك في منطقة الاستقلال العربى، التى اقترحها الشريف حسين وقبلتها بريطانيا العظمى.

        وهنا، يجب أن نشير الى اختلاف مهم بين النص الانجليزى الرسمى والنص العربى لكتاب السير هنرى مكماهون، المؤرخ في 14 ديسمبر 1915 فإن السير هنرى عند كلامه على استثناء ولايتى حلب وبيروت، يقول: إن لحليفتنا فرنسا مصالح ” فيهما كلتيهما “. والكلمتان المحصورتان بين أقواس غير موجودتين في النص الانجليزى الرسمى. ولكنهما موجودتان في النص العربي الذى تلقاه الشريف حسين، وقيمة هذين اللفظين انهما يدلان على أن السير هنرى مكماهون لم يكن يفكر الا في هاتين الولايتين، وانه لا يمكن أن يكون قد فكر في منطقة ثالثة خارج ولايتى حلب وبيروت.

        وقد صرح السير هنرى مكماهون في رسالة منه الى جريدة التيمس نشرتها له بتاريخ 23 يوليه 1937 بأنه لما قطع العهد للشريف حسين لم يكن يقصد أن تكون فلسطين داخلة في منطقة الاستقلال العربى، وان كل شىء فى ذلك الوقت كان من شأنه أن يحمله على الاعتقاد بأن الملك حسين كان يدرك تماما أن فلسطين ليست داخلة في التعهد.

        وهذا التصريح الذي أفضى به السير هنرى مكماهون لا يثبت على الفحص فان وظيفة السير هنرى كانت وظيفة وسيط مكلف بمهمة، هى ان ينفذ السياسة التى رسمها رؤساؤه الرسميون وإبلاغها الى الشريف حسين، طبقا للتعليمات الصادرة اليه من وزارة الخارجية، ولم تكن وظيفته رسم هذه السياسة وحتى لو كان من الجائز ان يرجع المرء الى النية المستورة وراء العبارة لابطال المعنى الصحيح العادى لهذه العبارة، أو تشويهها، فليست نية السير هنرى هى التى يعول عليها، ويرجع اليها، بل نية الوزير المسئول – وهو في هذه الحالة وزير الخارجية وبتعليماته كان السير هنرى مكماهون يعمل. فاذا جاز ادخال النيات في الحساب على الرغم من المعنى الجلى للالفاظ المستعملة، فان من الواجب الرجوع في تبين هذه النية الى ما عسى ان يكون موجودا بين محفوظات وزارة الخارجية، لعل شيئا منها يكشف عن نيات الوزير. وهنا ما يشير الى هذه النية في خطاب ألقاه الفيكونت جرى اوفالودين بمجلس اللوردات في 27 مارس 1923. وقد ألحقت الفقرات الخاصة بموضوعنا من هذا الخطاب بمذكرتنا، واردفت بالملاحظات التى أدلى بها اللورد باكماستر يومئذ، وقد بين الفيكرنت جرى أنه يشك شكا جديا في صحة

 مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 677 – 2 68″

        التفسير الذى تأخذ به الحكومة البريطانية لمدى التعهدات التى قطعها للعرب، ووزير الخارجية في سنة 1915.

        ونغض هنيهة عن النيات المستورة، ونتناول النص نفسه، فسنرى ان الألفاظ التى استعملت في المكاتبات لا يمكن تفسيرها الا بان فلسطين لم تكن مستثناة – لا بصفة مباشرة ولا بصفة غيرمباشرة – من منطقة الاستقلال العربي. وعبارة ” ولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب ” كما ورد في (الفقرة 13) لا يمكن أن يكون لها غير معنى واحد هو الاقاليم المجاورة لهذه المدن، ومن البديهى أيضا ان الشريف حسين فهم أن “الأجزاء من بلاد الشام” التى سيحتفظ بها هى الواقعة. في الغرب مباشرة من هذه المدن الأربع، ليس الا. في كتابه المؤرخ في 15 نوفمبر سنة 1915، يذكر ولايتى حلب وبيروت “وسواحلهما ” وفي كتابه في أول يناير 1916 يصف المناطق المقترح اخراجها بأنها “الجهات الشمالية وسواحلها” وفي نفس الكتاب يقول: “عند أول فرصة تضع فيها أوزار هذه الحروب سنطالبكم بما نغض الطرف عنه اليوم لفرنسا في بيروت وسواحلها” وفضلا عن ذلك فان السير هنرى مكماهون نفسه يشير في كتابه المؤرخ في 30 يناير 1916 الى الأجزاء من بلاد الشام التى ستستثنى بكلمتى “الجهات الشمالية” ويدل بذلك على أنه في ذلك الوقت على الأقل لم يكن يخالف الشريف حسين في اعتبار التحفظات سارية فقط على المناطق الساحلية الشمالية من سوريا.

        وهناك اخيرا دليل مستمد من عمل الشريف حسين نفسه فيما بعد، فيما يتعلق بفلسطين وهو يثبت أنه كان دائما يعتقد أن هذا الجزء من سوريا – فلسطين – باق في نطاق الاستقلال العربى. فما كاد يصدر تصريح بلفور حتى بادر الى أرسال احتجاج الى الحكومة البريطانية، طالبا ايضاحا عن هذا التصريح. فهذا العمل وغيره مما فعله الشريف حسين قد يعد خارجا عن اختصاص اللجنة التى لا يتناول عملها الا درس مكاتبات مكماهون ولكن هذه حقائق تاريخية وعلى ضوئها يتبين ان ما صرح به السير هنرى مكماهون في جريدة التيمس يفقد قوته بل يبدو عديم المعنى.

        والقول بأن الحكومة البريطانية كانت تنوى فعلا اخراج فلسطين من منطقة النفوذ الفرنسى، وادماجها في نطاق الاستقلال العربى (أى في منطقة النفوذ البريطانى في المستقبل) ، هذا القول تؤيده التدابير التى اتخذت في فلسطين في أثناء الحرب. فقد ألقى البريطانيون آلافا من النشرات على كل أنحاء فلسطين، وهذه النشرات كانت عبارة عن رسالة من الشريف حسين من ناحية، ورسالة من القيادة البريطانية من ناحية أخرى، ومؤدى الرسالتين – انه عقد اتفاق بريطانى عربى يكفل استقلال العرب ، وان الفريقين يطلبان من أهالى فلسطين ان يعدو الجيش البريطانى الزاحف جيشا حليفا، جاء لتحريرهم، وان عليهم ان يقدموا له كل مساعدة وقد انشئت تحت اشراف السلطة العسكرية البريطانية فى فلسطين مكاتب لتجنيد المتطوعين لقوات الثورة العربية. وفى سنة 1916 ومعظم سنة 1917 كان من الواضح ان موقف الضباط العسكريين والموظفين السياسيين التابعين للجيش البريطانى قائم على اعتبار أن فلسطين ستكون جزءا من البلاد العربيه التى ستقوم فيها بعد الحرب حكومات مستقلة متحالفة مع بريطانيا العظمى.

 مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب
ملف وثائق فلسطين من عام 637 الى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 677 – 682″

        وفي الختام نقول: ان النص الانجليزى لمكاتبات مكماهون، وهو الذى وزعه الوفد البريطانى بصفة خصوصية على الوفود العربية، فيه أخطاء في الترجمة يؤثر بعضها في المعنى تأثيرا محسوسا فمن المرغوب فيه للمصلحة العامة مراجعة الترجمة قبل أن يذاع النص على الجمهور.

 

 

(الامضاء)
ج. انطونيوس
السكرتير العام للوفود العربية

Scroll to Top