نص الكتاب الذي وجهه جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية إلى الرئيس روزفلت

نص الكتاب الذي وجهه الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية إلى الرئيس روزفلت
“ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عالم 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 745 – 748”

 

نص الكتاب الذي وجهه
جلالة الملك عبد العزيز آل سعود
ملك المملكة العربية السعودية
الى الرئيس روزفلت بتاريخ 10 مارس سنة 1945

       من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود – ملك المملكة العربية السعودية الى حضرة صاحب الفخامة المستر روزفلت – رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأفخم: يا صاحب الفخامة:

       انها لفرصة سعيدة أنتهزها لأشاركم السرور في انتصار المبادىء التي أعلنت الحرب من أجل نصرتها. ولأذكر الشخصيات العظيمة التي بيدها بعد الله – تصريف مقاليد نظام العالم. بحق صريح قائم منذ عرف التاريخ. ويراد الآن القضاء على هذا الحق بظلم لم يسجل له التاريخ مثيلا ولا نظيرا.

       ذلك هو حق العرب في فلسطين الذي يريد دعاة اليهودية الصهيونية غمطه وازالته بشتى وسائلهم التي اخترعوها وبيتوها وعملوا لها في أنحاء العالم من الدعايات الكاذبة وعملوا في فلسطين من المظالم وأعدوا للعدوان على العرب ما أعدوا مما علم بعضه الناس. وبقى الكثير منه تحت طى الخفاء. وهم يعدون العدة لخلق شكل نازى فاشستي بين سمع الديمقراطية وبصرها في وسط بلاد العرب بل في قلب بلاد العرب وفي قلب الشرق الذي أخلص العمل لقضية الحلفاء في هذه الظروف الحرجة.

       ان حق الحياة لكل شعب في موطنه الذى يعيش فيه حق طبيعي ضمنته الحقوق الطبيعية وأقرتها مبادىء الانسانية وأعلنها الحلفاء في ميثاق الاطلنطي وفي مناسبات متعددة. والحق الطبيعى للعرب في فلسطين لا يحتاج لبيانات فقد ذكرت غير مرة لفخامة الرئيس روزفلت وللحكومة البريطانية في عدة مناسبات أن العرب هم سكان فلسطين منذ أقدم عصور التاريخ وكانوا سادتها والأكثرية الساحقة فيها في كل العصور واننا نشير اشارة موجزة الى هذا التاريخ القديم والحديث لفلسطين حتى اليوم ليتبين ان دعوى الصهيونية في فلسطين لا تقوم على أساس تاريخي صحيح.

       يبتدئ تاريخ فلسطين المعروف من سنة 3500 قبل الميلاد وأول من توطن فيها الكنعانيون وهى قبيلة عربية نزحت من جزيرة العرب وكانت مساكنهم الأولى في منخفضات الأرض ولذلك سموا كنعانيين وفي سنة 2000 قبل الميلاد هاجر من العراق (أور الكلدانيين) بقيادة النبي ابراهيم فريق من اليهود وأقاموا في فلسطين ثم هاجروا الى مصر بسبب المجاعات حيث استعبدهم الفراعنة. وقد ظل اليهود مشردين

نص الكتاب الذي وجهه الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية إلى الرئيس روزفلت
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 745 – 748″

فيها الى أن أنقذهم النبي موسى من غربتهم وعاد بهم الى أرض كنعان، عن طريق الجنوب الشرقي في زمن رمسيس الثانى الموافق سنة 1950 أو ابنه منفتاح سنة 1225 قبل الميلاد.

       واذا سلمنا بنص التوراة نجد أن قائد اليهود الذي فتح فلسطين كان يشوع ابن نون وهو الذي عبر بجيشه واحتل مدينة أريحا من الكنعانيين بقسوة شديدة ووحشية يدل عليها قوله لجيشه ” احرقوا كل ما في المدينة واقتلوا كل رجل وامرأة وكل طفل وشيخ حتى البقر والغنم بحد السيف واحرقوا المدينة بالنار مع كل ما فيها” يشوع 16 – 21 – 24 وقد انقسم اليهود بعد ذلك الى مملكتين، مملكة اسرائيل وقصبتها السامرة (نابلس) وقد دامت 250 سنة ثم سقطت في يد شلمناصر ملك آشور سنة 722 قبل الميلاد وسبى شعبها الى مملكته.

       ثم مملكة يهودا وقصبتها أوشليم (القدس) وقد دامت 130 سنة بعد انقراض مملكة بنى اسرائيل. ثم أبيدت بيد نبوخذ ناصر ملك بابل الذى أحرق المدينه والهيكل بالنار وسبى الشعب الى بابل سنة 580 قبل الميلاد.

       ودام السبى البابلى مدة 70 سنة ثم رجع اليهود الى فلسطين بأمر كورش ملك الفرس.

       ثم تلا ذلك الفتح اليوناني بقيادة اسكندر المقدوني سنة 332 قبل الميلاد ودام حكمه في فلسطين مدة 272 سنة. وجاء بعده الفتح الروماني سنة 63 قبل الميلاد بقيادة بومبى ودام حكم الرومان في فلسطين مدة 700 سنة. وفي سنة 637 ميلادية احتل العرب فلسطين ودام حكمهم فيها مدة 880 سنة متواصلة وكانت وصية الخليفة للفاتح ” لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا تعقوا نخلا وتحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا وسوف تمرون بأناس قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له” وقد ذكر هذا ابن الأثير المؤرخ المشهور.

       ثم انتقل الحكم في فلسطين الى الأتراك سنة 1517 ميلادية في زمن السلطان سليم الأول وظلت فلسطين في حوزتهم مدة 400 سنة، وكان العرب سكانها وكانوا شركاء مع الأتراك في حكمها وادارتها. وفي سنة 1918 احتلها البريطانيون ولا يزالون فيها الى الآن.

       ذلك تاريخ فلسطين العربية يدل على أن العرب أول سكان سكنوها منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد واستمر سكناهم فيما بعد الميلاد الى اليوم، حكموها وحدهم ومع الأتراك ألفا وثلثمائة سنة تقريبا. أما اليهود فلم تتجاوز مدة حكمهم المتقطع فيها 380 سنة وكلها اقامات متفرقة مشوشة. ومن سنة 332 قبل الميلاد لم يكن لليهود في فلسطين أى وجود أو حكم الى أن دخلت القوات البريطانية فلسطين سنة 1918 ومعنى ذلك ان اليهود منذ ألفين ومائتى سنة لم يكن لهم في فلسطين عدد ولا نفوذ ولما دخل البريطانيون في فلسطين لم يكن عدد اليهود يزيد على ثمانين ألفا كانوا يعيشون في رغد وهناء ورخاء مع سكان البلاد الأصليين من العرب ولذلك فاليهود لم يكونوا الا دخلاء على فلسطين في حقبة متفرقة من الزمن ثم أخرجوا منها منذ أكثر من ألفي سنة.

نص الكتاب الذي وجهه الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية إلى الرئيس روزفلت
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 745 – 748″

         أما الحقوق الثابتة للعرب في فلسطين فتستند:

1 –

على حق الاستيطان الذى استمرت مدته منذ سنة 3500 قبل الميلاد ولم يخرجوا عنها في يوم من الأيام.

2 –

وعلى الحق الطبيعي في الحياة.

3 –

ولوجود بلادهم المقدسة فيها.

4 –

ليس العرب دخلاء على فلسطين ولا يراد جلب أحد منهم من أطراف المعمورة لاسكانهم فيها.

        أما اليهود فان دعواهم التاريخية هى مغالطة. ثم ان حكمهم القصير في فترات متقطعة كما ذكرنا لا يعطيهم أى حق في ادعائهم أنهم أصحاب البلاد لأن احتلال بلد ما ثم الخروج منه لا يخول أى شعب ادعاءه ملكية تلك البلد والمطالبة بذلك. وتاريخ العالم مملوء بمثل هذه الأمثال.

        ان حل قضية اليهود المضطهدين في العالم تختلف عن قضية الصهيونية الحائرة فإن ايجاد أماكن لليهود المشتتين يمكن أن يتعاون عليها جميع العالم وفلسطين قد تحملت قسطا فوق طاقتها. وأما نقل هؤلاء المشتتين ووضعهم في بلاد آهلة بسكانها والقضاء على أهلها الأصليين فأمر لا مثيل له في التاريخ البشرى.

        وانا نوضح بصراحة ووضوح ان مساعدة الصهيونية في فلسطين لا يعنى خطرا يهدد فلسطين وحدها فحسب بل انه خطر يهدد سائر البلاد العربية وقد أقام الصهيونيون الحجة الناصعة على مـا ينوونه في فلسطين وفي سائر البلاد المجاورة فقاموا بتشكيلات عسكرية سرية خطيرة ومن خطأ القول أن يقال أن هذا عمل شرذمة متطرفة منهم وان ذلك قوبل باستنكار من جمعياتهم وهيئاتهم. وأنا نقول ان أعمال الصهيونيين في فلسطين وفي خارجها صادرة عن برنامج متفق عليه ومرضى عنه من سائر اليهودية الصهيونية وقد بدأ هؤلاء أعمالهم المنكرة في الاساءة للحكومة التى أحسنت اليهم وآوتهم – وهى الحكومة البربطانية – فأعلنت جمعياتهم الحرب على بريطانيا وأسست لذلك تشكيلات عسكرية خطيرة تملك في فلسطين في الوقت الحاضر كل ما تحتاجه من الأسلحة والمعدات الحربية. ثم قام أفراد بشتى الاعتداءات وكان من أفظعها الاعتداء على الرجل الفذ الذي كان ممتلئا بالحب والخير لصالح المجتمع وكان من أشد من يعطف على اليهودية المضطهدة وهو اللورد موين. ومما يدل على أن فعلتهم المنكرة كانت مؤيدة من مجموع اليهود هى المظاهر والمساعي التى قام بها رجال الصهيونية في كل مكان في طلب تخفيف العقوبة عن المجرمين ليجرءوا على أمثالها.

        فهذه أفعالهم مع الحكومة التى أحسنت اليهم كل الاحسان فكيف يكون الحال لو مكنوا من أغراضهم وأصبحت فلسطين بلدا خالصة لهم يفعلون فيها وفي جوارها ما يريدون؟

        لو ترك الأمر بين العرب وبين هؤلاء المعتدين ربما هان الأمر، ولكنهم محميون من قبل الحكومة البريطانية صديقة العرب. فاليهودية الصهيونية لم تراع حرمة هذه الحماية بل قامت بتدبير حبائل الشر وبدأتها ببريطانيا وأنذرت العرب بعد بريطانيا بمثلها وأشد منها. فاذا كانت الحكومات المتحالفة التى تشعر العرب بصداقتها تريد

نص الكتاب الذي وجهه الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية إلى الرئيس روزفلت
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الارشاد القومي، ج 1، ص 745 – 1748″

أن تشعل نار الحرب والدماء بين العرب واليهودية فان تأييد الصهيونية سيوصل الى هذه النتائج .

        وان أخشى ما تخشاه البلاد العربية من الصهيونية هو:

1 –

انهم سيقومون بسلسلة من المذابح بينهم وبين العرب.

2 –

ستكون اليهودية الصهيونية من أكبر العوامل في افساد ما بين العرب والحلفاء وأقرب دليه على ذلك قضية اليهوديين في مقتل اللورد موين في مصر فقد قدر اليهود أن يختفى فاعلو الجريمة فيقع الخلاف بين الحكومة البريطانية ومصر.

3 –

ان مطامع اليهود ليست في فلسطين وحدها فان ما أعدوه من العدة يدل على انهم ينوون العدوان على ما جاورها من البلدان العربية.

4 –

لو تصورنا استقلال اليهود في مكان ما في فلسطين فما الذى يمنعهم عن الاتفاق مع أى جهة قد تكون معادية للحلفاء ومعادية للعرب وهم قد بدءوا بعدوانهم على بريطانيا بينما هم تحت حمايتها ورحمتها.

       لا شك ان هذه أمور ينبغى أخذها بعين الاعتبار في اقرار السلم في العالم عندما ينظر في قضية فلسطين . فضلا على ان حشد اليهود في فلسطين لا يستند الى حجة تاريخية ولا الى حق طبيعي وانه ظلم مطلق. فهو في نفس الوقت يشكل خطرا على السلم وعلى العرب وعلى الشرق الأوسط.

       وصفوة القول ان تكوين دولة يهودية بفلسطين سيكون ضربة قاضية لكيان العرب ومهددا للسلم باستمرار لأنه لابد وأن يسود الاضطراب بين اليهود والعرب. فاذا نفد صبر العرب يوما من الأيام ويئسوا من مستقبلهم فانهم يضطرون للدفاع عن أنفسهم وعن أجيالهم المقبلة ازاء هذا العدوان. وهذا بلا شك لم يخطر على بال الحلفاء العاملين على سيادة السلم واحترام الحقوق ولا نشك بأنهم لا يرضون هذه الحالة المقلقة لسلام الشرق الأوسط.

       ما كنت أريد في هذا المعترك العظيم أن أشغل فخامتكم ورجال حكومتكم العاملين في هذه الحرب العظمى في هذا الموضوع. وكنت أفضل – وأنا واثق من انصاف العرب من قبل دول الحلفاء – أن يستمر سكوت العرب الى نهاية الحرب لولا ما نراه من قيام هذه الفئة الصهيونية اليهودية بكل عمل مثير مزعج غير مقدرين الظروف الحربية ومشاغل الحلفاء حق قدرها عاملين للتأثير على الحلفاء بكل أنواع الضغط ليحملوهم على اتخاذ خطة ضد العرب تختلف عما أعلنه الحلفاء من مباىء الحق والعدل. لذلك أردت بيان حق العرب في فلسطين على حقيقته لدحض الحجج الواهية التى تدعيها هذه الشرذمة من اليهودية الصهيونية دفعا لعدوانهم وبيانا للحقائق حتى يكون الحلفاء على علم كامل بحق العرب في بلادهم وبلاد آبائهم وأجدادهم فلا يسمح لليهود أن ينتهزوا فرصة سكوت العرب ورغبتهم في عدم التشويش على الحلفاء في الظروف الحاضرة فيأخذوا من الحلفاء ما لا حق لهم فيه.

       وكل ما نرجوه هو أن يكون الحلفاء على علم بحق العرب ليمنع ذلك تقدم اليهود في أى أمر جديد يعتبر خطرا على العرب وعلى مستقبلهم في سائر أوطانهم ويكون العرب مطمئنين من العدل والانصاف في أوطانهم.

Scroll to Top